نموذج التعليم ((T-Shaped كأداة عملية لتعزيز التنمية المستدامة: الفرص والتحديات

أ.د. محمد تركي عبد العباس

 كلية الإدارة والاقتصاد – جامعة كربلاء

 

تفرض التحديات المعقدة التي تواجه المجتمعات المعاصرة الحاجة إلى مهنيين يمتلكون معرفة متعمقة في تخصص معين، إلى جانب القدرة على التعاون متعدد التخصصات. ويجسد النموذج (الأكاديمي على شكل T) هذا التوازن، إذ يجمع بين العمق المعرفي في مجال محدد واتساعة في مجالات مجاورة، مما يعزز من فاعلية الأداء في بيئات العمل المتغيرة.

اذ تعتمد الجامعات على هذا النموذج كإستراتيجية لتحسين كفاءة الأداء الأكاديمي من خلال تطوير قدرات الأساتذة والطلبة، بما يواكب متطلبات العصر الرقمي. وتشير الأدبيات إلى أن نموذج (T-Shaped) يسهم في رفع كفاءة العمليات وتحقيق رضا المستفيدين، كما يعزز من قدرة الجامعات على مواجهة تحديات الأداء في بيئات تنافسية.

وتكمن أهمية هذا النموذج في دوره بدعم التعليم من أجل التنمية المستدامة، عبر ترسيخ قيم ومبادئ شاملة في مجالات التعليم، البحث، والإدارة الجامعية. ومن هنا، تصبح القدرة على العمل التعاوني وتبادل المعرفة بين التخصصات ضرورة لتأهيل جيل من المهنيين القادرين على حل المشكلات بفاعلية، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وبشكل عام يركّز هذا المقال على فهم آليات اكتساب الخبرة وفق نموذج (T-Shaped)، حيث تشير اهم الدراسات في مجالات العلوم الإدارية والتكنولوجيا إلى مفهوم “الخبرة التفاعلية” بوصفها القدرة على استيعاب “لغة” تخصص آخر دون الحاجة إلى التعمق الكامل في أساليبه وممارساته. ويتمثل الهدف العلمي للمقال في استكشاف مدى توفر نموذج التعليم على شكل حرف T ضمن الأساليب العلمية، وذلك في إطار الأبعاد المعرفية للتنمية المستدامة، من وجهة نظر أكاديمية تسعى إلى دعم وتطوير الأساليب التعليمية والتدريبية المعتمدة على النهج العلمي والتطبيقي.

 

مفهوم نموذج التعليم ((T-Shaped :  اختلف الباحثون الاكاديمين في مجال إدارة الأعمال بشأن وضع تعريف دقيق لمفهوم نموذج التعليم على شكل حرف (T) ( (T-Shaped، إلا أن جذوره تعود إلى مصطلح “الخبير على شكل حرف T” الذي طُرح لأول مرة من قِبل (Guest,1991)، والذي أشار إليه بمصطلح “رجل النهضة”. ويُقصد به الفرد القادر على دمج الخبرة المهنية في مجال الأعمال مع المهارات التقنية في تكنولوجيا المعلومات، مع مراعاة الأبعاد التقنية والاجتماعية ضمن النظام العلمي الأشمل. وفق هذا المفهوم، يُنظر إلى الأكاديمي أو المهني على شكل حرف T بوصفه شخصًا يمتلك: معرفة عميقة ومتخصصة في مجال واحد (الجزء العمودي من حرف T). اما القاعدة المعرفية عريضة تمتد إلى مجالات أخرى مجاورة أو مكملة (الجزء الأفقي من حرف T).

هذا المزيج من المهارات يوفّر مرونة عالية في التعامل مع التحديات، ويُمكّن الفرد من التعاون بفعالية عبر التخصصات المتعددة. فالعالم اليوم بحاجة إلى جيل جديد من المهنيين الذين لا يقتصر دورهم على المعرفة التخصصية، بل يمتلكون القدرة على الانفتاح والتفاعل مع مجالات دراسية مختلفة، بما يساعدهم على إيجاد حلول مبتكرة لمشكلات واقعية معقدة لا تنتمي إلى تخصص واحد فقط.

 

اذ يشير نموذج التعليم T-Shaped إلى نموذج تعليمي يجمع بين تخصص عميق في مجال معين (الساق العمودي) وإلمام واسع بمجالات متعددة (الخط الأفقي) على اعتبار ان هذا النموذج يعزز من قدرة كل من الأستاذ, الموظف والطلاب على التفكير النقدي، الابتكار، والعمل الجماعي، ويعطي كفاءة فردية تتميز بمهارات ضرورية  تساهم في تحقيق التنمية المستدامة. كما يعتمد نموذج T-Shaped على فلسفة تقوم على بناء شخصية الفرد الجامعي بطريقة تكاملية للعمق العمودي (Vertical Bar) الذي يمثل التخصص الدقيق الذي يتقنه الأكاديمي والطالب مثل الإدارة، الاقتصاد، المحاسبة أو نظم المعلومات. بينما العرض الأفقي (Horizontal Bar): يشمل المهارات العامة مثل التفكير النقدي، الذكاء العاطفي، الإبداع، مهارات التواصل، والعمل ضمن فريق. هذا النموذج يُمكّن الطالب من:1)التكيف مع بيئات العمل المتغيرة.2)التواصل بفعالية عبر فرق متعددة التخصصات.3)المساهمة في حل المشكلات المجتمعية والاقتصادية.والأطر المفاهيمية التي تُكمّل الخبرة على شكل حرف T. وتُقدّم هنا دراسات وتجارب حول المشاركة، والخبرة التفاعلية، والتكامل الاجتماعي التقني في ظلّ تنافسيّة القوى العاملة،اذ يحتاج الطالب والأستاذ إلى تطوير مهاراتهم في مجالاتهم والتعاون مع الآخرين. إنّ حاجة المهنيين الشباب إلى امتلاك مهاراتٍ متكاملةٍ تتجاوز صقل مهاراتهم، وتتطلب شخصًا يسعى للتكامل قادرًا على التميّز في بيئة عمل تنافسية.

 

 

أهمية  نموذج التعليم (T-Shaped):

  • تطوير المهارات: يعزز نموذج التعليم T-Shaped من مهارات الافراد في تخصصاتهم العلمية والوظيفية، مما يمكنهم من الابتكار في مجالاتهم عملهم.
  • التفكير الشامل:  يقدم مهارات التفكير الشامل من خلال الإلمام بمجالات متعددة، اذ يصبح الافراد أكثر قدرة على فهم التحديات المعقدة واتخاذ قرارات مستقبلية اقل هامش خطأ.
  • التعاون: يشجع  نموذج التعليم T-Shaped على العمل الجماعي، مما يعزز من فرص التعاون بين مختلف التخصصات العلمية والتعليمية لتحقيق حلول فعالة.

 مفهوم التنمية المستدامة:  يُشير مفهوم التنمية المستدامة الى التركيز على الجانب الاقتصادي في (1950s). اذ كان مؤشر التنمية يتعمد على معدل الناتج القومي الإجمالي وما ينتج عنه من زيادة في دخل الفرد. ومع تفاقم مشكلة الفقر والبطالة، لم يُقدم هذا المفهوم معيارًا حقيقيًا للتنمية. لهذه الأسباب وغيرها اتخذت التنمية منحىً اجتماعيًا في(1970s)، وأصبح البعد الاقتصادي في عملية التنمية مجرد أداة من أدوات التنمية المتعددة التي تعمل على تحسين الجوانب الاجتماعية للمجتمع. وتطور هذا المفهوم خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ليصبح الفرد هو صانع التنمية .

 

اذ أشار التقرير النهائي لليونسكو عن عقد التربية والتعليم من أجل التنمية المستدامة إلى أنه بالرغم من وجود تطور في تحقيق تعليم جامعي على المستوى العالمي إلا أن الدول العربية هي أبعد الدول عن إعادة توجيه تعليمها العالي تجاه التنمية المستدامة. وبما ان التنمية المستدامة تعتمد على ثلاث دعائم رئيسية: 1) البعد الاقتصادي 2) البعد الاجتماعي، 3) البعد البيئي. اذ يتطلب تحقيقها تكوين أفراد قادرين على التعامل مع تعقيدات الواقع الأكاديمي، وهو ما لا يمكن الوصول إليه دون تعليم شامل يركز على المهارات التحليلية والتكامل المعرفي. على اعتبار ان تبنّي نموذج T-Shaped في التعليم الجامعي، خصوصاً في كليات الإدارة والاقتصاد، يسهم في إعداد خريجين قادرين على فهم السياقات الاقتصادية والاجتماعية، وتحليلها والتفاعل معها بطرق فعالة ومستدامة تعتمد التخصص والخبرة في التنفيذ.

كما تضمنت خطة للتنمية المستدامة للعام ( 2030 وضم هذا البرنامج سبعة ) هدفا من أهداف التنمية المستدامة  التي توزعت الى (169) غاية تغطي ابعاد التنمية المستدامة المتمثلة في النمو الاقتصادي ، والاندماج الاجتماعي ، حماية البيئة ، العدالة ، السلم المجتمعي , والحوكمة الرشيدة .

 

آليات تطبيق النموذج في كلية الإدارة والاقتصاد – جامعة كربلاء: لغرض تطبيق هذا النموذج عمليًا في كليتنا، يمكن اعتماد الخطوات الآتية:

  • إعادة تصميم المناهج: تضمين مقررات متعددة التخصصات (Interdisciplinary Courses). إضافة وحدات تدريبية في التفكير النقدي، الإبداع، التقنيات، والتواصل.
  • تعزيز الشراكات مع سوق العمل من خلال تطوير برامج التدريب الصيفي الميداني، و تنظيم ورش عمل وحلقات نقاش بمشاركة خبراء من القطاعات الاقتصادية المختلفة.
  • تنمية المهارات خارج الصف الدراسي دعم التجمعات الطلابية والأنشطة الريادية، وإنشاء حاضنات أعمال جامعية لتعزيز روح المبادرة.
  • التقييم والتغذية الراجعة اعتماد نظام تقييم شامل يراعي الأداء الأكاديمي والمهارات وتوفير تغذية راجعة مستمرة لتحسين العملية التعليمية والتدريبية

 

التجارب العلمية في نموذج التعليم T-Shaped

  • جامعة ستانفورد (Stanford University)

تعد جامعة ستانفورد رائدة في تطبيق نموذج التعليم T-Shaped، من خلال التركز على دمج العلوم والتكنولوجيا والهندسة والفنون (STEAM) في برامجها الأكاديمية والعلمية. اذ يتلقى الأستاذ والطالب تدريباً وتعليمًا متكاملًا يشجع على الابتكار ويعزز من قدراتهم على حل المشكلات. كما تمثل هذه الجامعة نموذجًا يحتذى به في كيفية دمج التعليم متعدد التخصصات بالخبرة لتحقيق التنمية المستدامة.

  • معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)

يعتمد MIT نموذج التعليم T-Shaped من خلال تقديم برامج دراسات متعددة التخصصات. ويشجع المعهد الافراد على المشاركة في الأبحاث العملية والمشاريع التي تتطلب التعاون بين التخصصات العلمية والأكاديمية، مما يساعد على تطوير مهاراتهم ويعزز من فهمهم للتحديات العالمية. اذ يعد الابتكار جزءًا أساسيًا من فلسفة التعليم في MIT.

 

  • جامعة أكسفورد (University of Oxford)

تتبنى جامعة أكسفورد منهجية التعليم T-Shaped من خلال تعزيز البحث والتعاون بين التخصصات العلمية. كما تقدم الجامعة برامج دراسات متعددة التخصصات، مما يمكن الافراد من مواجهة التحديات المعقدة من زوايا  أكاديمية متعددة. ويتم تشجيع الافراد على التفكير النقدي واستكشاف مجالات مهنية جديدة، مما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة.

  • جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST)

في حين ان العالم العربي، تعد جامعة الملك عبد الله مثالاً على تطبيق نموذج التعليم T-Shaped. اذ تقدم الجامعة برامج دراسات تدمج بين العلوم والتكنولوجيا والهندسة، وتدعم الأبحاث متعددة التخصصات العلمية والأكاديمية. كما تسعى KAUST إلى تزويد الافراد بالمهارات اللازمة لمواجهة التحديات العالمية، مما يعزز من قدرتهم على الإسهام في التنمية المستدامة.

 

التحديات والفرص: على  الرغم من الفوائد العديدة لنموذج التعليم T-Shaped، فإن تطبيقه قد يواجه تحديات مثل مقاومة التغيير ونقص الموارد المادية والمالية. ومع ذلك، فإن هذه التحديات توفر فرصًا لتطوير استراتيجيات جديدة تعزز من التعليم، التعلم والتدريب.

النتائج متوقعة من تطبيق النموذج: 1) تحسين كفاءة الخريجين الوظيفية.2) زيادة نسبة التوظيف بعد التخرج.3)إسهام أكبر في حل المشكلات الاقتصادية المحلية.4)تطوير البيئة الأكاديمية نحو تعليم مرن وتفاعلي.

 

Sources.

 

  • Andreoni, A., and H. J. Chang, 2019: The political economy of industrial policy: Structural  interdependencies, policy alignment and conflict management. Struct. Chang. Econ. Dyn., 48, 136–150, doi:10.1016/j.strueco.2018.10.007
  • Brown, T. (2020). *Change by Design: How Design Thinking Creates New Alternatives for Business and Society*. Harper Business.
  • . Kim, W. C., & Mauborgne, R. (2020). *Blue Ocean Strategy, Expanded Edition*. Harvard Business Review Press.
  • . Rother, M. (2021). *The Lean Product Playbook: How to Innovate with Minimum Viable Products and Rapid Customer Feedback*. O’Reilly Media.
  • Simu, K. and Lidelow, H., 2019. Middle managers’ perceptions of operations strategies at construction contractors. Construction management and economics, 37(6), 351‐366.
  • UNESCO (2014). Shaping The Future We Want. UN Decade of Education For Sustainable Development (2005- 2014),Final Report. Paris. UNESCO.
  • United Nations General Assembly for the Environment, (2016) Achieving the 2030 Agenda for Sustainable Development, United Nations report issued in the time period 27-23 May
  • Tharp, R. G. (2021). T-Shaped: The New Talent Model for the 21st Century. Wiley.
  • Yaseen, T., & Radia, T. (2022). Artificial Intelligence and learning difficulties. Measurement and Psychological Difficulties, 34(1), 18–26. https://doi.org/10.1422/103844
  • Gorman, M. E. (2010). Trading zones and interactional expertise: Creating new kinds of collaboration. Cambridge, Mass.: MIT Press.