نظرات في مدونة الأحكام الشرعية الجعفرية

ا. د علي شاكر عبد القادر البدري

كلية القانون

 

جاءت مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الاحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري بخمسة أبواب معالجة الزواج والطلاق والوصية والميراث وأحكاماً ختامية. والرجوع الى المدونات الفقهية، أو رجوع الفرد الى مذهبه الديني للفصل في مسائل الاحوال الشخصية، والحكم بما جاء به مذهبه ودينه أمر موجود، وغير مستنكر، فالأحوال الشخصية ليست كبقية القوانين. إن هذا القانون يتعلق بحياة الفرد الشخصية وأسرته من مسائل الحل والحرمة بالزواج والطلاق والوصية والميراث، ونجد في دول مثل لبنان والكويت وغيرهما الفرد (المسلم الشيعي) يحتكم بأمور الاحوال الشخصية الى مذهبه. وقد كانت لدينا في العراق قبل سنة 1959 محاكم احوال جعفرية، ومحاكم احوال سنية. فوجود المدونة بحد ذاته يعد مكسباً للفرد يراعي اعتقاداته المذهبية. ولكن يمكن أن نورد ملاحظات على المدونة منها عامة ومنها تفصيلية، ومنها شكلية وأخرى موضوعية، نعرضها كما يأتي:

  • إن المدونة وإنْ كانت فقهية تمثل آراء المشهور من الامامية، ولكن نجد غياب الصياغة القانونية في المدونة، ولا يقال إنها صياغة فقهية، فطالما عدت من قانون الاحوال الشخصية، وكان الأجدر إعادة الصياغة بالشكل الملائم الذي لا يغير المفهوم الفقهي للمصطلحات والأحكام ([1]) .
  • نجد اطالة غير مبررة للمدونة بحيث تشمل 337 مادة كان يمكن ايجازها، وكثير من الأحكام لا نجد مبرراً لذكرها، لكونها نادرة الوقوع، أو تعد من الشروحات الفقهية. لاسيما وأن المادة 335 من المدونة تنص بالرجوع فيما لم يرد به نص في المدونة الى المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي.

3- نجد تعارضاً أحياناً بين مصطلحات أوردتها المدونة ومصطلحات في قوانين اخرى، مثل مصطلح المفقود، فالمفقود وفق قانون رعاية القاصرين الذي لا نعلم حياته من مماته، بينما عُدَّ في المدونة من نعلم حياته ولكن لا نعلم في اي بلد هو، وانقطع خبره عن أهله مفقود وفق المادة 152 /.أ

وكذلك مصطلح الرشد، فلم تبين المدونة هل أن تحديد سن الرشد يكون بالرجوع للقانون المدني أم نكتفي بدلالة المادة 17 في المادة 88 من المدونة؛ فقد بينت ان الرشد بمعنى (تمييز ما فيه الصلاح)، وحتى هذه العبارة مرنة، تتغير بتغير الشخص، فتحتاج إلى آلية أخرى لمعرفة الرشد([2]). علماً بأن تحديد مصطلح الرشد مهم جداً، لمعرفة متى ينتهي سن الحضانة  للأولاد، ومتى يحين أوان بلوغهم الرشد.

  • – لا مبرر لذكر الأمثلة في المدونة، فذكر الأمثلة وظيفة الفقه والشراح، وليس من مهام المشرع، بل يعد عيباً في صياغة القانون، بينما نجد المدونة قد غالت في ذكر الأمثلة، مثل جواز الزواج من الكتابية كالمسيحية .
  • – وردت نصوص في المدونة لا حاجة لذكرها، وكان الأجدر الرجوع للمادة 335 من المدونة في المسائل التي لم تتضمنها المدونة، والرجوع للمجلس العلمي في ديوان الفقه الشيعي، مثل مادة 29 التي تتعلق بفعل الفاحشة بين ذكرين تحرم عليه أمه وإن علت وبنته وإن نزلت، فلا حاجة لذكر هذه  الأمور، لندرتها من جهة، وعدم تناغمها مع مدونة تتعلق بآمور الأسرة. وكذلك تفاصيل الحرمة نتيجة الارضاع والاستغراق بالتفاصيل، وذكر المادة 78 من المدونة التي تتعلق بإثبات اثار الابوة بمن زنى بامرأة ولدت منه، وكذلك الميراث بالجريرة مثل ما نصت عليه المادة 321 من المدونة.

6- توجد نصوص قد تثير اللبس منها ما يتعلق  بالوصية الواجبة المذكورة في قانون الاحوال الشخصية لسنة 1959 النافذ ، فانه يثير اللبس في المدونة ، فالمادة 271 من المدونة تبين عدم إرث أولاد الأولاد (أباهم أو أمهم المتوفية) مع وجود أولاد أحياء للمتوفي، ولكن صياغة المادة 271 التي بينت (ولكن ينبغي مؤكدا لمن مات بعض أولاده في حياته وله ذرية ان يوصي بإخراج…)، فالتأكيد ينبغي أن يفهم بالفهم الفقهي الاسلامي الشيعي بمعنى الاستحباب لا بمعنى الوجوب، وكان الأجدر بالمشرع تلافي ذلك، بصياغة مناسبة أكثر مما هي عليه.

7- توجد تفاصيل في بعض النصوص بحاجة لمعالجة  تشريعية  وتعديل للنص مثل مادة 1 في تعريف الزواج، فإيراد عبارة علاقة خاصة لا حاجة لذكرها والنص يكتمل معناه من دونها .وكذلك مادة 2ف7 .

8- اعتمدت المدونة على المشهور من آراء الامامية، وإن لم يوجد راي المشهور أُخِذَ براي المرجع الأعلى في النجف الاشرف، ولكن نجد أحياناً عدم الأخذ بالرأي المشهور مثل سن الحضانة الذي جُعل 7 سنوات، وهو مخالف للراي المشهور بأن سن الحضانة  سنتين، وكذلك المشهور من الزواج الدائمي بالكتابية، نجد أن المدونة قد خالفت ذلك بجواز الزواج من الكتابية. فكان الأجدر ترك الراي المشهور فيما يتعلق بعدم إرث الزوجة للأرض المملوكة للزوج المتوفي، واخذ براي من يجيز ارث المرأة لأصل الأرض ولو كان راياً غير مشهور.

9- ذكر الجزاءات غير المادية، مثل ما ورد في المادة 9 اذا اشترطت الزوجة على الزوج أن لا يتزوج عليها فيجب الوفاء بالشرط فان خالف الشرط يعد اثماً، إن العبارة صحيحة من ناحية الفقهية، ولكن هذه العبارات لا تذكر في القوانين ولا في المدونة  التي تعد تعديلاً على قانون الاحوال الشخصية لسنة 1959، وكان الأجدر أن يكون الجزاء تعويضاً في حالة مخالفة الشرط ([3]).

10- ذكر عبارات تعد شرحاً  لما جاء في المدونة مثل  مادة 46 المهر هو( الصداق)، فإيراد تسمية أخرى للمهر ليس من وظائف المشرع بل يرد في الشروحات الفقهية.

وكذلك المادة  73  التي تتعلق بطلب الزوجة للطلاق في غير المواد 70- و71 و72 فان لم يستجب القضاء لطلب الزوجة في الطلاق من حقها ان تطلب الخلع، فإيراد هذه العبارات لا يمكن أن يرد في النصوص القانونية.

11- ذكر عبارات غير محددة المعنى مثل ما جاء في المادة 51 في حالة عدم تسمية المهر وطلقت الزوجة قبل الدخول فأنها تستحق- شيئاً- بحسب حال المطلق من الغنى والفقر …، إن عبارة “شيئاً” غامضة، فما هو مقدار ما يعطيه المطلق لمطلقته في حالة الطلاق قبل الدخول ولم يسم المهر؟

12- إن اشتراط موافقة المرجع الديني الأعلى في حالة الطلاق من قبل القاضي في المواد 70 و71و72 لا يعلم المقصود منها هل هي الموافقة السابقة أم اللاحقة لقرار القاضي، فان كانت موافقة المرجع الديني الأعلى لاحقة لقرار القاضي لا يكون لقرار القاضي أثر قانوني في الطلاق إلا بعد موافقة المرجع الديني الأعلى، وإن كانت سابقة لقرار القاضي فكذلك يعد قرار القاضي تأكيداً لقول المرجع الديني الأعلى، وفي الحالتين نكون أمام اشكال في سلطة القاضي التقديرية في المواد المذكورة انفا. وكذلك نجد في المادة 74 /ج لا يكون للقاضي اي سلطة.

 

المصادر:

1 –  محمد بن الحسن الحر العاملي: تفصيل وسائل الشريعة إلى تحصيل مسائل الشريعة،  ج 2،  مدونة آل البيت لإحياء التراث،  بيروت،  2008، ص44.

2 – السيد علي السيد محمد علي الطبطبائي: رياض المسائل في تحقيق الأحكام والدلائل، ج 1،  موسوعة آل البيت (ع)،  1376 هـ،  ص76.

3 – الشيخ مفلح الصيرمي البحراني: غاية المراجع في شرح شرائع الاسلام , ج 3، دار الهادي، بيروت، 1999، ص178 وما بعدها.

([1])  محمد بن الحسن الحر العاملي , تفصيل وسائل الشريعة إلى تحصيل مسائل الشريعة , ج 2 , مدونة آل البيت لإحياء التراث , بيروت , 2008 , ص44 .

([2])  السيد علي السيد محمد علي الطبطبائي , رياض المسائل في تحقيق الاحكام والدلائل , ج 1 , موسوعة آل البيت (ع) , 1376 هـ , ص76 .

([3])  الشيخ مفلح الصيرمي البحراني , ج 3 , غاية المراجع في شرح شرائع الاسلام , دار الهادي , بيروت , 1999, ص178 وما بعدها.